تميزت الحياة الإجتماعية في قرطبة منذ البدء بالفهم الصحيح للمسؤولية الإقتصادية وتقدير الكسب والتدبير في موازنة الدخل والخرج ، على نحو يعده المشارقة بخلاً .ولكن هذا الوعي الجيد قد حمى البيئة الأندلسية من الكدية ،لسقوط الإتكال في نظرهم ،كما أبعد عندهم الإغراق في التصوف الإتكالي أو استحداث الدويرات والتكايا .نعم انشا الحكم المستنصر دارا سماها دار الصدقة ،ولكن يبدو أن التعرض للصدقات في الأندلس كان قاصراً على كل محتاج معذور .أما القادر على الكسب فكان يتجه إلى حرفةٍ تكفيه وتعينه على الحياة . ولذلك انتعشت روح التعاون هناك . وهذه هي الروح التي يمثلها إبن الكتاني أستاذ إبن حزم حين كان يقول لتلامذته :إن من العجب من يبقى في هذا العالم دون معاونة لنوعه على مصلحة .أما يرى الحراث يحرث له ،والطحان يطحن له ، والنساج ينسج له ، والخياط يخيط له ، والجزار يجزر له ، والبناء يبني له ،وسائر الناس كل متولي شغلاً له فيه مصلحة و به إليه ضرورة ،ا فما يستحي أن يكون عيلان على كل العالم،لا يعين هو أيضاً بشيء من المصلحة ، ويعلق إبن حزم على هذا بقوله : ولقد صدق ولعمري إن في كلامه من الحكم لما يستثير الهمم الساكنة إلى ما هيئة له ،وأي كلام في نوع هذا أحسن من كلامه في تعاون الناس ؟. ولذلك كان الأندلسيون يبتعدون عن كثير من الأمور التي يصبغها المشارقة بلون مثالي .خذ مثلاً حال المؤدب وأخذه للأجر المسمى  » الحدفة » فقد كان المشارقة يختلفون حول أخذ الأجر على التعليم ،أما في الأندلس فلم يقفوا عند هذه المسألة ،لأن المؤدب كان يرى أن التعليم وسيلة من وسائل العيش ،يكفيه الإعتماد على بدوات الكرماء أو تقلبات الظروف .

إن هناك الكثير ما تقدم ذكره يمنح المجتمع الأندلسي لوناً قد يكون فارقاً إلى حد ما ،ويقربنا كثيراً من ألشعور بالتسامح إزاء الحياة ومظاهر النمو الحضاري .

إقتباس من كتاب » تاريخ الأدب الأندلسي عصر سيادة قرطبة »صفحة 26 -27 تأليف الدكتور إحسان عباس.

A propos de l'auteur

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publié.